محمد جمال الدين القاسمي

164

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وبالرفع على أنه كلام مبتدأ . أي : ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت . وقرئ ( يقول ) بغير ( واو ) وهي مصاحف مكة والمدينة والشام كذلك . على أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ فقيل : يقول الذين آمنوا : أهؤلاء الذين أقسموا ؟ ( فإن قلت ) : لمن يقولون هذا القول ؟ ( قلت ) : إمّا أن يقوله بعضهم لبعض تعجّبا من حالهم ، واغتباطا بما منّ اللّه عليهم من التوفيق في الإخلاص أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي : حلفوا لكم بأغلاظ الأيمان إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ أي : إنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار وإمّا أن يقولوه لليهود ، لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة . كما حكى اللّه عنهم : وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [ الحشر : 11 ] أي : فقد تباعدوا عنكم . فيظهر أنهم لم يكونوا مع المؤمنين ولا مع اليهود حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ أي : في الدنيا ، إذ ظهر نفاقهم عند الكل . وفي الآخرة ، إذ لم يبق لهم ثواب . قال الزمخشريّ : هذه الجملة من قول المؤمنين . أي : بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس ، وفيه معنى التعجب ، كأنه قيل : ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم ! أو من قول اللّه عز وجلّ ، شهادة لهم بحبوط الأعمال ، وتعجيبا من سوء حالهم . انتهى . وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطبين ، ما لا يخفى . تنبيهات : الأول - : في سبب نزول هذه الآيات الكريمات . روي عن السدّي « 1 » ، أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد : أمّا أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهوديّ فأواليه وأتهوّد معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث . وقال الآخر : وأما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصرانيّ بالشام فأواليه وأتنصرّ معه . فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى . . . الآيات . وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر ، حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني قريظة ، فسألوه : ماذا هو صانع بنا ؟ فأشار بيده إلى حلقه ، أبي : إنه الذبح . رواه ابن جرير « 2 » . وقيل : نزلت في عبد اللّه بن أبيّ ، ابن سلول .

--> ( 1 ) الأثر رقم 12159 من تفسير ابن جرير . ( 2 ) الأثر رقم 12160 من التفسير .